أبو حامد الغزالي

91

محك النظر

لأنها لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شيء وبطل الازدواج بينهما ولا تتولد النتيجة ، فإنك إذا قلت النبيذ مسكر ولم تتعرض . في المقدمة الثانية : لا للنبيذ ولا للمسكر ولكن قلت والقتل حرام أو العالم حادث فلا ترتبط إحداهما بالأخرى . فبالضرورة لا بد من أن يكون أحد الأجزاء الأربعة متكرّرا في المقدمتين فيرجع إلى ثلاثة ، فلنصطلح على تسمية المكرّر في المقدمتين علة وهو الذي يمكن أن يقرن بقولك لأنه في جواب المطالبة . فإنه إذا قيل لك لم قلت إن النبيذ حرام فتقول لأنه مسكر ولا تقول لأنه حرام فما يقترن به لأن هو العلة ، ولنسمّ ما يجري مجرى النبيذ محكوما عليه وما يجري مجرى الحرام حكما ، فإنا في النتيجة نقول فالنبيذ حرام فنحكم على النبيذ بأنه حرام ونشتق للمقدمتين اسمين مختلفين من الأجزاء والمعاني التي تشتمل عليها لتسهل علينا الإشارة إليهما في التفهيم والمخاطبة ، ولا يمكن اشتقاق اسمين مختلفين لهما من العلّة . فإن العلّة داخلة فيهما جميعا فنشتقه من الجزءين الآخرين ، فالمقدمة التي فيها تعرض للمحكوم عليه نسمّيها المقدمة الأولى والتي فيها الحكم نسمّيها الثانية اشتقاقا من ترتيب أجزاء النتيجة . فإنا نقول في النتيجة فالنبيذ حرام فيكون النبيذ أولا والحرام ثانيا . والمقدمة التي فيها المحكوم عليه لا يتصور أن يكون فيها الحكم ، وهي مقدمة ، والتي فيها الحكم لا يتصور أن يكون فيها المحكوم عليه ، وهي مقدمة بل هما خاصتان للمقدمتين . واعلم أن النتيجة إنما تلزم من هذا القياس إذا كانت المقدمتان مسلمتين يقينا إن كان المطلوب عقليا أو ظنا إن كان المطلوب فقهيا . فإن نازعك الخصم في قولك كل مسكر حرام فإثباته بالنقل وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم « كل مسكر حرام » فإن لم تتمكن من تحقيق تلك المقدمة بحس ولا غيره ولا من إثبات الثاني بنقل أو غيره لم ينفعك القياس ، ومهما سلّمنا لم يتصور النزاع في النتيجة البتّة ، بل كل عقل صدق المقدمتين فهو مضطر للتصديق بالنتيجة مهما أحضرهما في الذهن وأحضر مجموعهما بالبال . وحاصل وجه الدلالة في هذا النظم أن الحكم على الصفة حكم على الموصوف ، فإنك إذا قلت النبيذ مسكر فقد